من جراح البلقان إلى رماد غزة: كوسوفو والبوسنة تنضمان إلى قوة الاستقرار الدولية

من جراح البلقان إلى رماد غزة: كوسوفو والبوسنة تنضمان إلى قوة الاستقرار الدولية

هل تضمد جراح البلقان آلام غزة المكلومة؟

هل يمكن للذين ذاقوا مرارة التشتت والحروب في تخوم البلقان أن يحملوا ترياق الأمان لغزة التي أضناها الركام؟ تبرز اليوم قوة الاستقرار في غزة كعنوان لمرحلة سياسية جديدة، حيث أعلنت كل من كوسوفو والبوسنة والهرسك عزمهما إرسال جنودهما للمشاركة في قوة دولية تهدف إلى إرساء دعائم السلم في القطاع الفلسطيني، تحت مظلة "مجلس السلام" الذي أبصر النور بمبادرة أمريكية. هذا التحرك العسكري بصبغة إنسانية يسعى لإيجاد موطئ قدم للاستقرار وسط مشهد سياسي معقد وخروقات ميدانية لا تهدأ.

رياح بلقانية في أفق القطاع: تفاصيل المشاركة

في خطوة تعكس رغبة دولية في توزيع أحمال المسؤولية الأمنية، صادق برلمان كوسوفو بالإجماع على تشريع يمهد الطريق لانضمام عناصر من قوى أمنها إلى القوة الدولية بقيادة واشنطن. ورغم أن التشريع لم يحصر العدد، إلا أن التقارير الحكومية تشير إلى نية إرسال 22 عنصراً ليكونوا رسل استقرار في أرضٍ أنهكتها الصراعات.

أما في البوسنة والهرسك، فقد بلغت التحضيرات ذروتها؛ حيث أكد وزير الدفاع زوكان هيليز أن بلاده تستعد لإيفاد أكثر من 60 عنصراً من القوات المسلحة. هذه المشاركة، التي حظيت بموافقة السلطات مطلع العام الجاري، تعدها سراييفو إسهاماً جوهرياً في منظومة السلم العالمي، وتجسيداً لروح التضامن بين الشعوب التي عانت من ويلات الحروب.

خارطة القوى والمهمات المزمعة

لا تقتصر هذه القوة على دول البلقان فحسب، بل هي نسيج دولي يهدف للوصول إلى 20 ألف جندي، تتوزع مهامهم بين التأمين والإشراف على عمليات الإعمار، وتتوزع الحصص الكبرى فيها كالتالي:

  • إندونيسيا: المساهم الأكبر بنحو 8,000 جندي.
  • دول مشاركة: المغرب، كازاخستان، ألبانيا، بالإضافة إلى كوسوفو والبوسنة.
  • مجلس السلام: الهيئة المشرفة التي اجتمعت في واشنطن لبحث التمويل واللوجستيات.

فاتورة الدمار: لغة الأرقام التي لا تكذب

بينما تُنسج خطط قوة الاستقرار في غزة في الغرف الدبلوماسية، يظل الواقع الميداني شاهداً على مأساة إنسانية تفوق الوصف. إن الأرقام هنا ليست مجرد إحصائيات، بل هي صرخات مكتومة تحت الأنقاض، وحكايا جراح لن تندمل بسهولة:

  • الشهداء: أكثر من 72,000 شهيد ارتقوا منذ الثامن من أكتوبر 2023.
  • الجرحى: ما يزيد عن 172,000 جريح يصارعون الألم في ظل منظومة صحية متهالكة.
  • البنية التحتية: دمار واسع طال 90% من مرافق الحياة الأساسية، مما حول القطاع إلى غابة من الإسمنت الحزين.
  • خروقات الهدنة: رصد المكتب الإعلامي الحكومي 2,400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، مما أسفر عن استشهاد 765 فلسطينياً إضافياً.

تحديات السلم فوق رمال متحركة

إن الحديث عن إرسال قوات دولية يظل حبيس النطاق الافتراضي ما لم تتوقف آلة القتل بشكل كامل. فالاتفاق الذي وُلد بعد عامين من حرب وصفت بأنها حرب إبادة جماعية، لا يزال يترنح تحت وطأة الحصار والتجويع والاعتقالات المستمرة. إن "قوة الاستقرار" تواجه اختباراً أخلاقياً وسياسياً قبل أن يكون عسكرياً؛ فكيف يُبنى السلام فوق أرض لا تزال تنزف؟

خاتمة: رؤية أدبية لمستقبل غزة

إن مجيء الجنود من البوسنة وكوسوفو إلى غزة يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فهي ملاقاة بين جراح قديمة وجراح نازفة، ومحاولة لزرع سنابل الاستقرار في تربة احترقت طويلاً. لكن الحكمة التاريخية تخبرنا أن السلام لا يُستورد في حقائب العسكر، بل ينبت من عدالة القضية ووقف شلال الدم. ستبقى قوة الاستقرار في غزة رهينة النوايا الدولية والقدرة على كبح جماح الخروقات، لعل غزة تستعيد يوماً وجهها الباسم بعيداً عن أزيز الرصاص وهدير الطائرات.


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *