نصل الدستور ودرع الإقليم: مستقبل قوات البشمركة في حراك دمج الفصائل العراقية

نصل الدستور ودرع الإقليم: مستقبل قوات البشمركة في حراك دمج الفصائل العراقية

الاستهلال: هل يستقيم الظل والعود أعوج؟

هل يمكن لجسد الدولة أن يحتمل قلبين ينبضان بإيقاعين مختلفين، أو ليد السيادة أن تقبض على سيفين بمرجعيتين متباينتين؟ يبرز هذا التساؤل الوجودي اليوم في المشهد العراقي، حيث تتجه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي نحو هندسة واقع أمني جديد يهدف إلى نزع سلاح الفصائل ودمجها في المؤسسات الرسمية. وفي قلب هذا المخاض العسير، تبرز قوات البشمركة كحجر زاوية يرفض الانضواء تحت معايير الدمج التقليدية، متحصنة بقدسية الدستور وخصوصية الجغرافيا السياسية.

الحصن الدستوري: لماذا ترفض أربيل "صهر" البشمركة؟

تتعامل القيادة الكردية مع ملف السلاح بمنطق الحقوق المكتسبة لا الهبات العارضة. فبينما ترحب بالخطوات الحكومية لضبط السلاح المنفلت، تضع خطاً أحمر عريضاً أمام أي محاولة لربط مصير مقاتليها بالفصائل المسلحة الأخرى. هذا الموقف ليس مناورة سياسية، بل يستند إلى ركائز قانونية صلبة:

  • المادة 121 (الفقرة الخامسة): تمنح حكومة إقليم كردستان الحق المطلق في تنظيم قوى الأمن الداخلي، بما في ذلك "الحرس"، وهو التوصيف القانوني الذي تندرج تحته قوات البشمركة.
  • الانضباط المؤسسي: يوصف سلاح البشمركة بأنه "سلاح منضبط"، لم يثبت توجيهه خارج إطار الدولة أو استخدامه في مغامرات إقليمية تقوض سيادة الجوار.
  • الهوية الوجودية: ترى القوى الكردية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي الكردستاني، أن تفكيك هذه القوة أو إلحاقها بوزارة اتحادية هو بمثابة "تفكيك للإقليم" وتحويله من كيان دستوري إلى مجرد محافظات تابعة.

رياح واشنطن وظلال "وزارة الأمن الاتحادية"

لا يمكن قراءة حراك الزيدي بمعزل عن الضغوط الدولية، وتحديداً إدارة الرئيس دونالد ترمب التي وضعت بغداد أمام خيارين أحلاهما مر: إما لجام السلاح أو مواجهة العواصف. وقد جاءت زيارة الجنرال الأمريكي المتقاعد ديفيد بترايوس في منتصف مايو الماضي لترسم ملامح "هندسة أمنية" جديدة.

وتشير المعطيات المسربة إلى مقترح باستحداث "وزارة الأمن الاتحادية"، وهي هيكل تنظيمي ضخم يشبه الوعاء الذي يُراد له أن يستوعب:

  1. عناصر الفصائل المسلحة الراغبة في الاندماج.
  2. قوات الشرطة الاتحادية والرد السريع.
  3. هيئة الحشد الشعبي بعد إعادة هيكلتها وتعيين ضباط محترفين لإدارتها.

ورغم أن الحديث عن إدراج قوات البشمركة ضمن هذا الوعاء ما زال حبيس الأروقة الإعلامية، إلا أن مجرد طرح الفكرة يثير ريبة الكرد الذين يخشون من "خلط الأوراق" لعرقلة ملف تفكيك الجماعات المسلحة تحت ذريعة الشمولية.

لغة الأرقام والواقع: تحديات التحول

إن عملية الانتقال من "السلاح الموازي" إلى "السلاح المؤسسي" ليست مجرد قرار إداري، بل هي عملية جراحية معقدة في جسد الدولة. وتكشف التقارير عن حقائق لا يمكن التغاضي عنها:

  • التهديد الأمريكي: واشنطن أبلغت بغداد صراحة بأن الفصائل النشطة قد تكون هدفاً لغارات جوية ما لم يتم حلها رسمياً.
  • المرونة المشروطة: أبدت 10 فصائل قوية مدعومة إقليمياً استعداداً مبدئياً لنزع سلاحها لتجنب الصدام مع الإدارة الأمريكية الجديدة.
  • الاستثناء الكردي: تؤكد وزارة البشمركة عدم تلقي أي مخاطبة رسمية للدمج، مشددة على أن وضعها القانوني يختلف جذرياً عن الفصائل التي نشأت في ظروف استثنائية.

الخاتمة: ميزان الذهب في كف السيادة

إن بناء الدولة العراقية الحديثة يتطلب ميزاناً كـ "ميزان الذهب"، يزن المصالح القومية بمثاقيل دقيقة. وإذا كان نزع سلاح الفصائل ضرورة لاستعادة هيبة الدولة، فإن احترام الخصوصية الدستورية لـ قوات البشمركة هو ضمانة لاستقرار النظام الاتحادي. إن السيادة الحقيقية لا تتحقق بصهر الجميع في قالب واحد، بل بتناغم القوى المختلفة تحت سقف القانون، ليبقى السلاح درعاً للوطن لا نصلاً في خاصرته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *