مقدمة: في رحاب المحرم وعبرة الزمان
في غرة شهر الله المحرم، وتحديداً حينما تطل علينا أنوار يوم عاشوراء، تتجلى للمؤمن معانٍ سامية تتجاوز حدود الزمان والمكان؛ لترسم معالم طريق النجاة بعد الشدة. إن هذا اليوم ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تبث في الروح رسائل اليقين، وتؤكد أن الابتلاء في كنف الله سبحانه وتعالى ليس علامة إقصاء، بل هو محض اصطفاء وطريق للتمحيص ورفعة الدرجات. إن الشدة مهما استطال ليلها، فإن فجر الفرج آتٍ لا محالة بتقدير العزيز الحكيم.
الابتلاء: سنة إلهية وبوابة للمنح الربانية
إن المتأمل في نواميس الكون يدرك أن الدنيا دار بلاء وكبد، وأن المؤمن يتقلب فيها بين فضلين: شكر في الرخاء وصبر في الضراء. وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له”.
فالمحن هي المختبر الحقيقي لقوة الإيمان، وهي البوابة التي ينفذ منها العبد إلى فضاءات من الدروس والعبر لم تكن لتنكشف له في رغد العيش. وقد قضى الله سبحانه وتعالى أن الابتلاء ماضٍ في خلقه، فمنهم من يُبتلى في رزقه، ومنهم في نفسه، ومنهم في أهله، ليبقى المؤمن مستحضراً حقيقة الدنيا بوصفها جسراً لدار البقاء.
وعد الله للصابرين
يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]. إن هذا النص القرآني القاطع يضع النقاط على الحروف؛ فالابتلاء حتمية كونية، والظفر معقود بناصية الصبر والاحتساب. ويستمر البيان الإلهي في وصف هؤلاء الصفوة: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ – أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156 – 157].
يقين السلف وعظمة الجزاء
لقد فقه سلفنا الصالح هذه الحقائق، فكان يقينهم بالثواب يطغى على مرارة المصاب. ومن أروع ما يُروى في ذلك ما قاله عبد الله بن مطرف لقومه حين مات ولده، إذ خرج عليهم في أبهى حلة، فلما عجبوا من حاله قال: “أتأمروني أن أستكين للمصيبة؟ والله لو أن الدنيا وما فيها لي، فأخذها الله عز وجل مني، ثم وعدني عليها شربة من ماء لرأيتها لتلك الشربة أهلاً، فكيف بالصلاة والرحمة والهدى؟!”.
إن هذا اليقين هو الذي يحول المحنة إلى منحة، ويجعل العبد يرى في طيات الكرب ملامح الفرج، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: “واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا”.
دروس من وحي يوم عاشوراء والهجرة
يعلمنا يوم عاشوراء أن النجاة قد تنبثق من قلب الهلاك. فحين انحشر موسى عليه الصلاة والسلام بين البحر وجنود فرعون، وقالت الأوهام البشرية: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ}، نطق لسان اليقين النبوي: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}. فكان انفلاق البحر معجزةً خلدت ذكرى هذا اليوم.
- عاشوراء يوم من أيام الله: كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، تجلت فيه عظمة النصر الإلهي.
- فضل الصيام: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله”.
- المعية الإلهية: نجد تشابهاً عميقاً بين قول موسى عليه السلام {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي}، وقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}. فبينما كانت معية موسى توجيهاً وهداية له في مقام القيادة، كانت معية محمد صلى الله عليه وسلم حفظاً وإحاطة شاملة له ولصاحبه.
فقه الأخذ بالأسباب مع كمال التوكل
إن النجاة في عاشوراء والهجرة لم تكن خالية من الأخذ بالأسباب؛ فقد أُمر موسى عليه السلام بضرب البحر بعصاه، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بكافة التدابير البشرية في هجرته. وهذا هو جوهر الإيمان: سعيٌ بالبدل وتوكلٌ بالقلب. فلا يصح إيمان من ترك الأسباب تواكلاً، ولا من ركن إليها استقلالاً.
يقول الإمام الشافعي رحمه الله حين سئل أيهما أفضل للرجل أن يُمكن أو يُبتلى: “لا يمكن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة”.
خاتمة: رسالة أمل واستقامة
إن يوم عاشوراء سيبقى رسالة خالدة تذكرنا بأن الله سبحانه وتعالى أرحم بعباده من أنفسهم، وأن اليأس ليس من شيم المؤمنين، لقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}. إن المحن المعاصرة تستوجب منا العودة إلى الله بقلوب موقنة، فربنا الذي فلق البحر لموسى قادر على أن يفتح لنا أبواب السعة من حيث لا نحتسب. فلنجعل من كل شدة فرصة للاستقامة، ومن كل ألم طريقاً للترقي، مستبشرين بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: قال الله عز وجل: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني”.



اترك تعليقاً