أقومية القرآن الكريم: من تراتيل التعبد إلى هندسة البناء الحضاري

أقومية القرآن الكريم: من تراتيل التعبد إلى هندسة البناء الحضاري

استهلال: إشراقة الوحي في آفاق المعاصرة

في رحاب العاصمة القطرية الدوحة، وعلى ضفاف المعرفة التي يحتضنها جامع المدينة التعليمية، انبلج فجر مرحلة جديدة في الفكر الإسلامي المعاصر بانعقاد "منتدى القرآن العالمي الأول: أقومية القرآن". لم يكن هذا الحدث، الذي امتد من السادس عشر حتى الثامن عشر من أكتوبر 2026، مجرد محفل أكاديمي تضاف أوراقه إلى رفوف المكتبات، بل كان إعلاناً بليغاً عن منعطف معرفي حاسم يستهدف استعادة أقومية القرآن من حيز التلاوة والوعظ المجرد إلى فضاء التنظير الحضاري وهندسة البناء الإنساني.

انطلق المنتدى مستظلاً بظلال الآية المحكمة من سورة الإسراء: {إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9]، ليجيب عن تساؤلات الوجود الكبرى: كيف تحول الكتاب الذي شيّد أعظم حضارة في التاريخ إلى نص محصور في الرقائق الروحية والمحاريب، بينما تُدار شؤون السياسة والمال والتربية بنماذج مستوردة مباينة لقيمه وأصوله؟

المرتكزات المنهجية: من التبرك إلى التدبر المنتج

جاء المنتدى كثمرة شراكة استراتيجية بين مؤسسة "وعي" للدراسات والأبحاث وكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة، ساعياً لصياغة إطار تطبيقي تتكامل فيه العلوم الشرعية مع العلوم الإنسانية. وقد ركزت الورش التأسيسية على معالجة الخلل المنهجي في التعامل مع المصحف الشريف، والذي اختُزل طويلاً في بعدين:

  1. البعد التعبدي اللفظي: الاكتفاء بتحصيل الأجور بعدد الحروف.
  2. البعد التفسيري الأثري: استجرار أقوال السلف دون تنزيلها على واقع العصر.

وقد سعى المنتدى لترسيخ ركائز ثلاث: الوحدة البنائية للقرآن، والفاعلية الحضارية للنص، والاشتباك المعرفي مع الواقع المعاصر.

تجليات الأقومية في بناء الأسرة والمجتمع

شهد اليوم الثاني فيضاً معرفياً تناول كيفية اشتباك الوحي مع قضايا الساعة. وفي مرافعة تربوية رفيعة، فكك الدكتور مصطفى أبو السعد النموذج الأسري الغربي القائم على النفعية الفردية، مقابلاً إياه بالرؤية القرآنية التي تجعل الأسرة آية إلهية وسكناً نفسياً.

استشهد د. أبو السعد بقوله سبحانه وتعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]. وأوضح أن قوله {مِنْ أَنفُسِكُمْ} يقتضي أن يتعامل الزوجان كالنفس الواحدة، لا كشريكين متصارعين على النفوذ. كما فند المقولات التي تحصر غاية الأسرة في الإشباع الغريزي، مؤكداً أن الغرائز تُطفأ بينما الحاجات الإنسانية والروحية هي التي تُشبع في ظلال المودة والرحمة.

هندسة المعرفة: القرآن منطلقاً لا تابعاً

في كلمته المفصلية، وضع الدكتور نايف بن نهار، رئيس مؤسسة "وعي"، النقاط على الحروف الفكرية، مبيناً أن أقومية القرآن تقوم على عمليتين متلازمتين:

  • البناء: أن يكون القرآن هو المنطلق الأول لاستخراج المفردات والنماذج التربوية والاجتماعية، لا أن نأتي بالنموذج الغربي ثم نبحث عن آيات "تُطعّمه" وتصبغ عليه صبغة إسلامية شكلية.
  • التقويم: أن يظل القرآن هو الميزان والمعيار الذي نزن به كل ما يرد إلينا من أفكار وتجارب بشرية، عملاً بقوله عز وجل: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: 54].

وانتقد د. بن نهار مسار "أسلمة المعرفة" التقليدي الذي افترض ضرورة استيعاب المعرفة الغربية أولاً، مما أدى إلى تشرب الباحثين للنظارات الغربية قبل العودة للقرآن، داعياً إلى استقلال معرفي يبدأ من مشكاة الوحي.

النقد القرآني والاقتصاد العمراني: أبحاث محكمة

توج اليوم الختامي بعرض أبحاث نوعية، منها:

  • الاقتصاد الاستخلافي: حيث فكك الدكتور لحلو بخاري الرأسمالية عبر قصة نبي الله شعيب عليه السلام، موضحاً أن الفساد الاقتصادي هو "بخس مؤسسي" ناتج عن تصور خاطئ للملكية المطلقة، بينما القرآن يقرر أن المال مال الله والإنسان مستخلف فيه.
  • نظرية النقد القرآني: قدم الدكتور علي المغدي ورقة حول الإعجاز المعاصر، مؤكداً أن القرآن يمارس وظيفة تقويمية لكشف اختلال التصورات. واستدل بموقف نوح عليه السلام حين جاءه النقد الرباني الصارم: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [هود: 46]، ليعيد تعريف مفهوم الأهلية على أساس الإيمان لا النسب.

التوصيات الختامية: نحو مؤسسة الأقومية

خلص المنتدى إلى حزمة توصيات استراتيجية، أبرزها:

  • تأسيس "المرصد العالمي لأقومية القرآن" لرصد الانحرافات المعرفية.
  • إطلاق "موسوعة المفاهيم القرآنية" لتكون مرجعاً للباحثين في العلوم الإنسانية.
  • دمج منهجية الأقومية في المناهج التعليمية والجامعية.

خاتمة: استرداد الشهادة الحضارية

إن أطروحة أقومية القرآن ليست مجرد ترف فكري، بل هي طوق النجاة لأمة تاهت في دروب التبعية، ولإنسانية معذبة تستنزفها الماديات. لقد آن الأوان ليعود القرآن مهيمناً على الفكر والعمل، وليسترد المسلمون موقع الشهادة على الناس بنورين: نور العقل المبدع، ونور الوحي المهيمن، تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]. فاللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، ومنهاج حياتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *