مقدمة: في شرف العلم وموضوعه
إنَّ من الحقائقِ التي انعقدَ عليها إجماعُ المسلمينَ قاطبةً، أنَّ شرفَ العلمِ بشرفِ معلومِهِ، ولما كانَ موضوعُ العقيدة الإسلامية هو العلمَ باللهِ سبحانه وتعالى وأسمائِهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ، غدتْ هذهِ العقيدةُ هي أجلَّ العلومِ قدراً، وأعلاها كعباً، وأحقَّها بالتقديمِ والتصديرِ. ولأجلِ هذا الجلالِ، اصطلحَ علماءُ الأمةِ على تسميةِ علمِ العقيدةِ بـ "الفقهِ الأكبرِ" تمييزاً لهُ عن فروعِ الأحكامِ العمليةِ؛ ومن هنا وسمَ الإمامُ أبو حنيفةَ -رحمه الله- كتابَهُ في أصولِ الدينِ بـ "الفقهِ الأكبرِ".
إنَّ حاجةَ العبدِ إلى تصحيحِ عقيدتِهِ تفوقُ كلَّ حاجةٍ، وتتجاوزُ كلَّ ضرورةٍ؛ إذ لا حياةَ حقيقيةً للقلبِ، ولا طمأنينةَ تسكنُ الروحَ، ولا سعادةَ تدومُ في الدارينِ إلا بمعرفةِ اللهِ عز وجل، ربّاً ومعبوداً وخالقاً، والوقوفِ على جلالِ أسمائِهِ وجمالِ صفاتِهِ.
ضرورة الوحي في معرفة الله
لما كانَ العقلُ البشريُّ قاصراً عنِ الإحاطةِ بذاتِ الباري سبحانه على وجهِ التفصيلِ والاستقلالِ، اقتضتْ رحمةُ اللهِ الواسعةُ أن يبعثَ الرسلَ مبشرينَ ومنذرينَ، ليعرّفوا الخلقَ بخالقِهم، ويدعوهم إليهِ. فكانَ لُبابُ دعوتِهم هو العلمُ بالمعبودِ سبحانه، ومن هذا الأصلِ العظيمِ -التوحيد- تفرعَ ركنانِ جليلانِ:
- أنَّ أعلمَ الناسِ باللهِ عز وجل هم أشدُّهم لزوماً للصراطِ الموصلِ إليهِ.
- أنَّ السيرَ إلى اللهِ لا يستقيمُ إلا بنورِ الوحيِ الذي جاءَ بهِ المرسلونَ.
سبعة ركائز توضح أهمية تعلم العقيدة الإسلامية
لماذا يجبُ على كلِّ مسلمٍ أن يجعلَ تعلمَ العقيدة الإسلامية على رأسِ أولوياتِهِ؟ نوردُ فيما يلي سبعةَ أسبابٍ جوهريةٍ مستمدةٍ من محكمِ الكتابِ وصحيحِ السنةِ:
1. العقيدة هي الرابطة الجامعة والوحدة المانعة
تمثلُ العقيدةُ القوةَ القصوى التي توحدُ القلوبَ وتجمعُ الشتاتَ على غايةٍ واحدةٍ: محاربةِ الشركِ والضلالِ والظلمِ، ونشرِ التوحيدِ والعدلِ والحقِ. يقولُ اللهُ تبارك وتعالى:
"وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا" (آل عمران: 103).
لقد كانَ العربُ قبلَ الإسلامِ قبائلَ متناحرةً، فصاغتهم هذهِ العقيدةُ في بضعِ سنينَ خيرَ أمةٍ أخرجتْ للناسِ. واليومَ، لا يمكنُ لأيِّ أيديولوجيا أرضيةٍ -قوميةً كانتْ أو ماديةً- أن توحدَ صفوفَ المسلمينَ كما تفعلُ هذهِ العقيدةُ الصافيةُ.
2. مفتاح السؤدد والتمكين في الأرض
لن يكتبَ لأمةِ الإسلامِ نهوضٌ ولا تمكينٌ إلا بالتمسكِ بالعقيدةِ النقيةِ التي ورثناها عن السلفِ الصالحِ. فهي الفطرةُ التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها، وهي مفتاحُ نيلِ مرضاةِ اللهِ ونصرهِ في الدنيا، والفوزِ بجناتِ النعيمِ في الآخرةِ.
3. شرط قبول الأعمال عند الله سبحانه وتعالى
إنَّ اللهَ عز وجل لا يقبلُ من العملِ إلا ما كانَ خالصاً وصواباً على وفقِ العقيدةِ الصحيحةِ المستقرةِ في الجنانِ؛ فبدونها تصبحُ الأعمالُ هباءً منثوراً. قال تعالى:
"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (النحل: 97).
وفي المقابلِ، وصفَ سبحانهُ أعمالَ من فقدَ صحةَ المعتقدِ بقولهِ:
"مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ" (إبراهيم: 18).
4. الاقتداء بالمنهج النبوي في التأسيس
إذا تأملنا سيرةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، نجدُ أنَّهُ قضى ثلاثةَ عشرَ عاماً في مكةَ المكرمةِ يرسخُ دعائمَ العقيدة الإسلامية في نفوسِ أصحابِهِ. فلم تنزلْ آياتُ الأحكامِ والتشريعاتِ والفرائضِ إلا بعدَ أن اطمأنتِ القلوبُ بالتوحيدِ واستقرتْ على معرفةِ اللهِ.
5. وحدة الرسالات السماوية في أصل التوحيد
العقيدةُ هي الخيطُ الناظمُ لدعواتِ جميعِ الأنبياءِ والمرسلينَ. ورغمَ تباينِ شرائعِهم العمليةِ، إلا أنَّ أصلَ معتقِدِهم كانَ واحداً، كما قالَ تعالى:
"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ" (النحل: 36).
وقد أكدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقولهِ: "الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ، أمهاتُهم شتَّى، ودينُهم واحدٌ" (رواه مسلم). فكلما ازدادَ علمُ العبدِ بأسماءِ ربهِ وصفاتِهِ، قويَ إيمانُهُ ورسخَ يقينُهُ.
6. تحقيق الغاية العظمى من الوجود
لقد خلقَ اللهُ الثقلينِ لغايةٍ ساميةٍ ومقصدٍ جليلٍ، وهو عبادتهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ:
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56).
ولا يمكنُ أن تتحققَ العبادةُ الحقةُ لمن يجهلُ معبودَهُ؛ فمن المحزنِ أن يتقلبَ العبدُ في نعمِ اللهِ وهو يجهلُ أسماءَهُ الحسنى وصفاتِهِ العلى.
7. المركزية القرآنية لأسماء الله وصفاته
يكفي لبيانِ شرفِ العقيدةِ أنَّ كلَّ آيةٍ في القرآنِ الكريمِ تتضمنُ ذكراً لاسمٍ أو صفةٍ للهِ عز وجل. وقد أشارَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ -رحمه الله- إلى أنَّ ذكرَ أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ في القرآنِ أكثرُ من ذكرِ الجنةِ ونعيمِها. ولأجلِ هذا، كانتْ "آيةُ الكرسيِّ" أعظمَ آيةٍ في كتابِ اللهِ، وكانتْ "سورةُ الإخلاصِ" تعدلُ ثلثَ القرآنِ لتمحضِها في وصفِ الرحمنِ.
خاتمة: ثمرة العلم بالعقيدة
إنَّ فقهَ العقيدة الإسلامية ليسَ ترفاً فكرياً، بل هو شريانُ الحياةِ الإيمانيةِ. فمن عرفَ اللهَ بأسمائِهِ وصفاتِهِ أحبَّهُ، ومن أحبَّهُ أطاعَهُ، ومن أطاعَهُ نالَ سعادةَ الدارينِ. نسألُ اللهَ عز وجل أن يحييَ قلوبنا بمعرفتهِ، وأن يثبتنا على عقيدةِ التوحيدِ حتى نلقاهُ وهو راضٍ عنا، وصلى اللهُ وسلمَ على نبينا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعينَ.



اترك تعليقاً