رحلة البحث عن اليقين: قصة مهتدي أدرك إسلامه قبل أن ينطق به

رحلة البحث عن اليقين: قصة مهتدي أدرك إسلامه قبل أن ينطق به

رحلة البحث عن اليقين: قصة مهتدي أدرك إسلامه قبل أن ينطق به

إن النفس البشرية التواقة للحق لا تستكين حتى تجد مستقرها في رحاب اليقين، وهي رحلة قد تبدأ من قلب التناقض لتنتهي عند ذروة الاتساق. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (الروم: 30). ومن هذه الآية العظيمة، نستلهم قصة مفكر غربي بدأت رحلته بكلمات هزت كيانه: "أنت مسلم، لكنك لم تدرك ذلك بعد".

نشأة في كنف الكنيسة وصراع مع المتناقضات

وُلد صاحب هذه التجربة في إنجلترا عقب الحرب العالمية الثانية، في بيئة كاثوليكية صارمة. نشأ على تراتيل اللاتينية قبل أن يتقن أبجديات لغته الأم، وكان يُعد ليكون كاهناً يحقق حلم والديه. التحق بمدرسة يديرها الرهبان اليسوعيون، وهناك بدأت شرارة التساؤل تشتعل في عقله.

كانت الفجوة تتسع بين ما يدرسه في حصص التاريخ وبين العقائد التي تُلقن له في دروس الدين. وعندما كان يسأل معلميه عن هذا التضارب، كان الجواب قمعياً بامتياز: "ادرس التاريخ لتنجح في الامتحان، أما الدين فعليك أن تؤمن به بلا سؤال".

معضلة العصمة وتهافت البنيان اللاهوتي

توقف صاحبنا طويلاً عند مفهوم "عصمة البابا". كيف يمكن لبشر أن يكون معصوماً بينما تتغير الأحكام والتشريعات بتغير البابوات؟ وكيف يستقيم هذا الادعاء مع حقب تاريخية شهدت وجود بابوين أو ثلاثة في آن واحد، كل منهم يلعن الآخر وينقض أحكامه؟

لقد آمن هذا المفكر مبكراً بأن الحق يجب أن يكون جلياً بسيطاً، لا يحتاج إلى تعقيدات لاهوتية لتبريره. وعندما عجز المعلمون عن الإجابة، لجأوا إلى التعنيف الجسدي، مما دفعه للفرار من تلك البيئة بحثاً عن فضاء أرحب للعقل، ليدخل مرحلة "اللاأدرية"، موقناً بفساد ما عرفه من دين، وباحثاً عن حقيقة لم تتجلى له بعد.

من سلك الجندية إلى بلاد المسلمين

بعد سنوات قضاها في القوات الجوية الملكية، قادته الأقدار في عام 1976 للعمل في بلد مسلم لتدريس الإلكترونيات. وصل وفي جعبته تصورات نمطية مغلوطة عن الإسلام، وزاد من حيرته سلوك بعض المسلمين هناك؛ إذ رأى تهاوناً في الصلاة، وانغماساً في المحرمات، واتخاذ كلمة "إن شاء الله" ذريعة للتكاسل والتسويف.

إلا أن هذا التناقض بين عظمة المنهج وقصور التطبيق لم يمنعه من البحث عن المنبع الصافي، فقرأ القرآن الكريم مدفوعاً برغبة في الفهم.

اللقاء الفاصل: "أنت مسلم بالفعل"

حين علم طلابه بشغفه القرآني، رتبوا له لقاءً مع أحد المشايخ. دارت بينهما حوارات فكرية عميقة، سبر فيها الشيخ غور قناعاته وتصوراته عن الخالق والكون. وفي نهاية إحدى الجلسات، نطق الشيخ بجملة كانت بمثابة الكشف الروحي: "أنت مسلم، أنت فقط لا تعرف ذلك بعد".

لقد أدرك صاحبنا أن مبادئه التي عاش يدافع عنها من منطق وعقلانية، ما هي إلا جوهر الإسلام الذي نادى به النبي محمد صلى الله عليه وسلم. ومن أبرز الدروس التي استخلصها في رحلته:

  • وحدة المصدر: أن الدين الحق لا يتصادم مع العقل السليم أو الحقائق التاريخية.
  • الفطرة: أن الإسلام هو دين الفطرة التي قد يحجبها الموروث لكن لا يطمسها.
  • القرآن حجة بنفسه: أن قوة الإسلام تكمن في نصه المقدس لا في أخطاء المنتسبين إليه.
  • المنطق والاتساق: الإسلام يقدم إجابات واضحة ومباشرة عن أسئلة الوجود الكبرى.

الخاتمة: العودة إلى المرفأ الأخير

بعد شهور من القراءة المتأملة في كتاب الله، لم يجد هذا المفكر بداً من الإذعان لسلطان الحقيقة. ففي نهاية عام 1976، نطق بالشهادتين، معلناً عودته إلى دينه الذي وُلد عليه بالفطرة. لقد وجد في الإسلام النقاء الذي افتقده، والمنطق الذي طالما بحث عنه، والسكينة التي لا تمنحها إلا عبادة الله وحده لا شريك له. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يثبتنا وإياه على الحق، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *