يوم عاشوراء: فيوضات إيمانية ومحطات تاريخية في ظلال السنة النبوية
استهلال إيماني في رحاب شهر الله المحرم
مع إشراقة شهر الله المحرم، غرة العام الهجري الجديد، تتطلع قلوب المؤمنين إلى نفحات ربانية كريمة، ومواسم للطاعات اصطفاها الحق سبحانه وتعالى بخصائص التفضيل والتشريف. ومن أبهى هذه المحطات الإيمانية "يوم عاشوراء"، ذلك اليوم الذي شهدت فيه البشرية تجليات النصر الإلهي ومعاني التوبة والإنابة. وفي هذا البيان الذي سطره السيد أحمد أحمد سحلول، نبحر في لُجج الفضائل التي حفت هذا اليوم، مستعرضين عبق التاريخ النبوي، وكيف غدا فضل صيام يوم عاشوراء فرصة سانحة لمحو الخطايا وتجديد العهد مع الله عز وجل.
يوم عاشوراء.. ميراث الأنبياء وموئل التوبة
لقد خص الله سبحانه وتعالى اليوم العاشر من شهر المحرم ببركات جليلة، سطرتها بطون الكتب ونقلتها الأسانيد الصحيحة عن سلف الأمة وعلمائها، ومن أبرز تلك الفضائل:
توبة آدم عليه السلام واستواء سفينة نوح
عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال في عاشوراء: «هو اليوم الذي تيب فيه على آدم» ([1]).
وقد أكد الإمام قتادة هذا المعنى بقوله: «كنا نتحدث أن اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وهبط آدم إلى الأرض يوم عاشوراء» ([2]).
وفي شأن نوح عليه السلام، أورد قتادة في أخبار التاريخ: «أن نوحاً ركب في السفينة في رجب لعشر بقين منه، واستوت على الجودي يوم عاشوراء» ([3]).
نداء التوبة واستجابة الحق
عن الأسود بن يزيد قال: سألت عبيد بن عمير عن صوم عاشوراء؟ فقال: «المحرم شهر الله، وفيه يوم عاشوراء، أذنب فيه قوم فتابوا، فسمي يوم التوبة، فلا يمرن بك إلا صمته» ([4]).
وفي سياق متصل، روى وهب أن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام: «أن مُر قومك أن يتوبوا إلي في أول عشر المحرم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إلي أغفر لهم» ([5]). كما تواترت الآثار بأنه اليوم الذي تاب الله فيه على قوم يونس عليه السلام، وشهد ميلاد الخليل إبراهيم وروح الله عيسى عليهما السلام.
صيام عاشوراء في مرآة التاريخ والتشريع
لم يكن صيام هذا اليوم وليد المصادفة، بل هو شعيرة ضاربة في عمق التاريخ الإنساني والتشريعي. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صامه، والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه».
ولذا كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يصومه إلا أن يوافق صومه ([6]).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«فنحن أحق وأولى بموسى منكم». فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه ([7]).
وفي فضل شهر المحرم عموماً، سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ فقال له علي: ما سمعت أحداً يسأل عن هذا إلا رجلاً واحداً سمعته يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قاعد عنده، فقال:
«إن كنت صائماً بعد شهر رمضان فصم المحرم، فإنه شهر الله، وفيه يوم تاب الله فيه على قوم، ويتوب فيه على قوم آخرين» ([8]).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كانوا يصومون عاشوراء قبل أن يفرض رمضان، وكان يوماً تستر فيه الكعبة…» ([9]).
عظيم الأجر وجزيل الثواب في صيام عاشوراء
تتجلى عظمة هذا اليوم في حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تحري فضله، فعن عبيد الله بن أبي يزيد، سمع ابن عباس رضي الله عنهما وسئل عن صيام يوم عاشوراء؟ فقال:
«ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوماً يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهراً إلا هذا الشهر -يعني رمضان-» ([11]).
وقد استنبط العلماء من قرن ابن عباس لعاشوراء برمضان -رغم تباين الحكم بين الندب والفرض- دلالة واضحة على عظيم الأجر الذي يختصه الله به ([12]).
وعن أبي قتادة رضي الله عنه، في حديث طويل في ذكر ثواب التطوع، قال النبي صلى الله عليه وسلم:
«… وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله» ([13]).
ولم يقتصر الفضل على الصيام فحسب، بل امتد ليشمل سائر القربات، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال:
«من صام عاشوراء فكأنما صام السنة، ومن تصدق فيه كان كصدقة سنة» ([15]).
خاتمة: عاشوراء.. وقفة مع النفس واستشراف للمستقبل
إن يوم عاشوراء يتجاوز كونه ذكرى تاريخية عابرة؛ إنه محطة سنوية لتجديد الإيمان، واستحضار معاني النصر والتمكين لمن استمسك بحبل الله المتين. إن إحياء سنة الصيام في هذا اليوم، والاقتران بها بصدقة جارية أو توبة نصوح، يمثل انطلاقة روحية جديدة للمسلم في مستهل عامه الهجري، يغسل بها أدران الماضي ويستشرف بها مستقبلاً مشرقاً بمرضاة الله عز وجل. فليكن صيامنا لعاشوراء شكراً لله على نعمة النجاة، وطمعاً في واسع مغفرته ورحمته التي وسعت كل شيء.



اترك تعليقاً