غمد الدولة ونصال الفصائل: لماذا يستعصي حصر السلاح بيد الدولة في عراق ما بعد التحالف؟

غمد الدولة ونصال الفصائل: لماذا يستعصي حصر السلاح بيد الدولة في عراق ما بعد التحالف؟

غمد الدولة ونصال الفصائل: لماذا يستعصي حصر السلاح بيد الدولة في عراق ما بعد التحالف؟

هل يستقيمُ بناءُ الدارِ وسقفُها تحرسهُ رماحٌ لا تخضعُ لربِّ الدار؟ هذا هو السؤالُ الذي يقرعُ أبوابَ بغداد اليوم؛ فمع رحيلِ آخرِ جنديٍّ من قواتِ التحالفِ الدولي، ظنَّ الكثيرون أنَّ غبارَ الأزمةِ قد انقشع، لكنَّ الواقعَ كشفَ عن جرحٍ غائرٍ يتمثلُ في معضلة حصر السلاح بيد الدولة. إنَّ المشهدَ العراقيَّ الراهن يضعُنا أمامَ مفارقةٍ عجيبة: فصائلُ مسلحةٌ ساهمت في تشكيلِ الحكومةِ وحمايتها، ترفضُ اليومَ وضعَ نصالِها في غمدِ القانون، مما يفتحُ البابَ على مصراعيهِ لتساؤلاتٍ كبرى حول السيادةِ والفسادِ ومستقبلِ الدولةِ المدنية.

جدلية الولاء والمواجهة: مفارقة السلاح الموازي

انفجرَ الجدلُ مجدداً عقبَ تصعيدٍ مفاجئٍ من كتائب حزب الله ضدَّ حكومة علي الزيدي والإطار التنسيقي، وهو تصعيدٌ تجاوزَ التحفظاتِ الأمنيةَ التقليدية ليلامسَ مناطقَ شائكةً تتعلقُ بشبهاتِ فسادٍ في عقودِ النفط وتعديلاتِ قانون "الحشد الشعبي". إنَّ بقاءَ السلاحِ خارجَ إطارِ المؤسسةِ الرسمية يشبهُ وجودَ "جيشٍ ظلٍّ" يتحركُ بموازاةِ الدولة، وهو ما يُعرفُ تقنياً بـ "السلاح الموازي"؛ أي القوة العسكرية التي تمتلكُ قراراً مستقلاً عن السلطةِ التنفيذية.

خارطة الطريق المتعثرة: 23 بنداً تحت مجهر الانتظار

خلافاً لما يُشاعُ عن التمردِ المطلق، برزت وجهةُ نظرٍ مغايرةٍ تطرحُها الفصائل؛ حيث يشيرُ المحللون إلى أنَّ هذه القوى هي مَن بادرت لطلبِ اتفاقٍ رسمي. وتتلخصُ هذه المبادرة في:

  • ورقة التفاهم: وثيقةٌ أعدتها لجنةٌ برعايةِ الإطار التنسيقي.
  • البنود الإجرائية: تضمُّ نحو 23 مادةً تحددُ بدقةٍ كيفيةَ نقلِ قرارِ الحربِ والسلمِ إلى القائدِ العام للقوات المسلحة.
  • عقبة التوقيع: اتهاماتٌ لرئيسِ الحكومةِ بالمماطلةِ في إبرامِ هذا الاتفاقِ التاريخي.

السيادة المبتورة وحلم الدفاع الجوي

يرى المدافعون عن بقاء السلاح أنَّ حصرَ الأزمةِ في تسليمِ البنادقِ هو اختزالٌ مخلٌّ يعكسُ "رؤيةً وضغوطاً أمريكية". فالعراقُ اليوم، وسطَ محيطٍ إقليميٍّ ملتهب، يفتقرُ إلى:

  1. منظومات دفاع جوي متطورة: تمنعُ الانتهاكاتِ المتكررةَ للسيادة.
  2. سلاح طيران حديث: يغني الدولةَ عن الحاجةِ لظهيرٍ مسلحٍ غيرِ نظامي.
  3. تطهير المؤسسات: مواجهةُ الفسادِ المالي والإداري الذي ينخرُ في جسدِ الدولةِ كالأرضة.

إنَّ مطالبةَ الفصائلِ بالاندماجِ دونَ توفيرِ غطاءٍ جويٍّ يحمي سماءَ البلاد يُشبهُ نزعَ درعِ المحاربِ قبلَ أن تضعَ الحربُ أوزارَها، خاصةً وأنَّ العراقَ مسؤولٌ عن أمنِ 45 مليونَ مواطنٍ يتطلعونَ لاستقرارٍ حقيقي.

الهيكلية المشوهة: أربعة هواجس تمنع الاستسلام

تكمنُ جذورُ الأزمةِ في الخللِ التأسيسي لنظامِ ما بعد عام 2003. وهناك أربعةُ مخاوفَ وجوديةٍ تدفعُ الفصائلَ للتمسكِ بمخالبِها:

  • الارتهان للمزاج السياسي: الخوفُ من تغيرِ موازين القوى الذي قد يؤدي لتصفيةِ هذه القوى سياسياً.
  • التجاذبات الإقليمية: الصراعُ المستمرُّ بين واشنطن وطهران، حيثُ يجدُ السلاحُ العراقيُّ نفسه رقماً في معادلةٍ أكبر.
  • الاندماج المؤسسي المتعثر: التباينُ بين قوىً تتجهُ للمؤسساتية (مثل عصائب أهل الحق) وأخرى تبدي تشدداً يربكُ التوقيتاتِ الزمنية.
  • غياب الضمانات الدولية: صعوبةُ استنساخِ تجاربَ عالمية (مثل تجربة كولومبيا مع حركة فارك) بسببِ غيابِ الرؤيةِ المشتركةِ لمفهومِ احتكارِ السلاح.

أفق عام 2027: هدنةٌ أم حلٌّ مؤجل؟

في خطوةٍ سياسيةٍ لافتة، نجحَ رئيسُ الحكومةِ علي الزيدي في إقناعِ الجانبِ الأمريكي بتمديدِ مهلةِ تسليمِ السلاحِ إلى نهايةِ يونيو/حزيران 2027. هذا التمديد، الذي جاءَ عقبَ لقاءِ الرئيسِ دونالد ترمب، يمثلُ محاولةً لـ "إدارةِ الجمود" بانتظارِ ما ستسفرُ عنه التحولاتُ الكبرى في المنطقة.

خاتمة: الحكمة في غمدِ القانون

إنَّ حصر السلاح بيد الدولة ليسَ مجردَ إجراءٍ أمني، بل هو فعلُ إيمانٍ بكيانِ الدولةِ وهيبتها. فالسلاحُ إذا لم يوجههُ عقلُ الدولةِ وحكمتُها، صارَ عبئاً على حاملهِ وطعنةً في خاصرةِ الوطن. إنَّ العراقَ اليومَ يقفُ على مفترقِ طرق؛ فإما أن تذوبَ الفصائلُ في بوتقةِ المؤسسةِ الوطنية لتصنعَ درعاً واحداً، وإما أن يبقى السلاحُ الموازيُّ شبحاً يؤرقُ أحلامَ الاستثمارِ والبناء. والحقُّ أنَّ السيادةَ لا تُنالُ بتعددِ الرايات، بل بوحدةِ القرارِ تحتَ رايةٍ واحدةٍ ترفرفُ فوقَ رؤوسِ الـ 45 مليونَ عراقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *