مأساة حسام أبو صفية: طبيبٌ في مهب الفناء خلف قضبان الاحتجاز
هل يمكن لليد التي تضمّد الجراح أن تُكبل بالأصفاد حتى تدمى، وللجسد الذي سهر على أرواح المرضى أن يُترك لينهشه المرض والتعذيب؟ يواجه الدكتور حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، فصلاً مأساوياً يتجاوز حدود الألم الجسدي إلى عتمة الزنازين التي تغيب فيها العدالة، وسط تقارير حقوقية تنذر بنهاية وشيكة لحياة قامة طبية لم تعرف سوى البذل والعطاء.
هيكل عظمي في قفص الاتهام: شهادة الفناء التدريجي
تتحدث الصور والشهادات القادمة من خلف جدران المحاكم الإسرائيلية عن تحول مرعب في هيئة الدكتور حسام أبو صفية. يصفه نجله «إلياس» بكلمات تقطر أسى، مؤكداً أن والده ظهر في جلسته الأخيرة كأنه «هيكل عظمي» طفت عليه آثار التنكيل. إن هذا النحول الحاد ليس مجرد فقدان للوزن، بل هو ذوبان للكتلة العضلية نتيجة سوء التغذية الحاد والقهر النفسي، وهو ما يعبر عنه طبياً بحالة «الدنف» (Cachexia) التي تسبق انهيار الوظائف الحيوية.
ملامح المعاناة الجسدية للدكتور أبو صفية:
- إصابات الرأس والوجه: تعرض الطبيب لاعتداءات وحشية خلفت إصابات مباشرة أثرت على قدرته على التنفس بشكل طبيعي.
- الأمراض الجلدية: انتشار واسع للقروح والالتهابات نتيجة غياب النظافة والبيئة الصحية الدنيا.
- إصابة العين: علامة فارقة تشير إلى شدة التعذيب البدني الممنهج.
- فقدان الوعي المتكرر: مؤشر خطير على قصور الدورة الدموية أو اضطرابات الجهاز العصبي نتيجة الصدمات المتتالية.
الاستهداف الممنهج: حين تصبح الكوادر الطبية هدفاً
إن قضية حسام أبو صفية ليست صرخة في وادٍ، بل هي جزء من نزيف مستمر يطال المنظومة الصحية في غزة برمتها. تشير تقارير منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» إلى واقع كارثي يتمثل في احتجاز الكفاءات الطبية دون مسوغ قانوني واضح.
إحصائيات وحقائق قانونية:
- 14 طبيباً: هو عدد الكوادر الطبية المحتجزة رفقة أبو صفية دون توجيه تهم رسمية أو تقديمهم لمحاكمات عادلة.
- الاحتجاز التعسفي: يقبع الدكتور في الأسر منذ ديسمبر 2024، في ظروف تفتقر لأدنى معايير القانون الدولي الإنساني.
- العزل الانفرادي: إجراء عقابي يهدف إلى كسر الإرادة وتغييب الحقيقة عن المنظمات الدولية والمحامين.
صراع الروايات: بين الحقيقة الطبية والمزاعم الأمنية
بينما تؤكد الإفادات القانونية الموثقة أن حياة حسام أبو صفية في خطر حقيقي، تحاول السلطات الإسرائيلية رسم صورة مغايرة تماماً. تزعم البعثة الإسرائيلية في جنيف أن الطبيب يحمل رتبة عسكرية ويدير المستشفى كمركز عمليات، وهي اتهامات يراها الحقوقيون ذريعة لتبرير التنكيل بمدير أحد أهم الصروح الطبية في شمال القطاع.
إن الادعاء بإجراء فحوصات طبية دورية له في مركز احتجاز «نيتسان» يظل ادعاءً أجوف ما لم تُكشف نتائج تلك الفحوصات للجنة طبية دولية مستقلة. فالتجاهل المتعمد لآثار الضرب المبرح وصعوبة الحركة التي بدا عليها الطبيب أثناء زيارة محاميه، «ناصر عودة»، يضع مصداقية الرواية الرسمية للاحتلال على المحك.
الخاتمة: رسالة من قلب العتمة
إن بقاء الدكتور حسام أبو صفية خلف القضبان في حالته الراهنة هو طعنة في خاصرة الإنسانية، واختبار لضمير العالم الذي يراقب بصمت احتضار الأطباء في مدافن الأحياء. إن إنقاذ أبو صفية ليس مجرد مطلب قانوني، بل هو ضرورة أخلاقية للحفاظ على ما تبقى من قدسية لمهنة الطب، فإذا انطفأ سراج الأطباء، ساد ظلام الموت دون رادع. ستبقى قضية هذا الطبيب شاهدة على عصر يُحاكم فيه المداوي على مداواته، ويُسجن فيه الشافي بتهمة الوفاء لرسالته.



اترك تعليقاً